مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة أكثر حساسية، في ظل غياب اتفاق نهائي ينهي الحرب ويفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة.فالمهلة التي بدأت في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم في 17 جوان، والتي شاركت باكستان في رعايتها بدور الوسيط الرئيسي، انتهت من دون الإعلان عن اتفاق نهائي يعالج الملفات الأكثر تعقيدا بين الطرفين، وعلى رأسها البرنامجالنووي الإيراني، ومستقبل مضيق هرم، والأصول الإيرانية المجمدة والعقوبات الأمريكية وترتيبات وقف الأعمال العدائية.
وبحسب ما أوردته شبكة "سي إن إن"، لم تفض المهلة إلى اتفاق ملموس حتى الآن، فيما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في 8 جويلية أن مذكرة التفاهم "انتهت"، في مؤشر مبكر على أن الاتفاق المؤقت واجه صعوبات تتجاوز مجرد الخلاف على التفاصيل.
ويرى مراقبون أن انتهاء المهلة لا يعني بالضرورة انهيار المسار الدبلوماسي بصورة نهائية، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام اختبار بالغ الصعوبة، خصوصا مع تصاعد الضغوط الاقتصادية الأمريكية على إيران واستمرار الخلاف حول الملفات الأمنية والعسكرية.
من هدنة مؤقتة إلى أزمة مفتوحة
وجاءت مذكرة التفاهم بعد أشهر من صراع خلف تداعيات واسعة على المنطقة، وألحق أضرارا كبيرة بحركة التجارة والطاقة، ولا سيما صادرات النفط والغاز.وكان الهدف الأساسي من الاتفاق المؤقت تثبيت وقف الأعمال العدائية وتهيئة الظروف أمام مفاوضات أكثر شمولاً، على أن يتم التوصل خلال ستين يوماً إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب على مختلف الجبهات.
كما تضمن الإطار المؤقت تفاهمات مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز،وتخفيف بعض القيود المالية المفروضة على إيران، إلى جانب وضع خطوط عامة للمفاوضات المستقبلية بشأن البرنامج النووي.غير أن الفترة الانتقالية لم تخلو من الأزمات. فقد تبادل الطرفان الاتهامات بخرق التفاهم، فيما أدت موجات متكررة من التصعيد إلى زيادة المخاوف من عودة المواجهة العسكرية.
ويؤكّد خبراء أنّ المشكلة الأساسية تكمن في أنّ وقف إطلاق النار كان أسهل نسبيا من الاتفاق على القضايا التي تسببت في الصراع من البداية. فكل طرف يريد ضمانات واضحة قبل تقديم تنازلات،بينما تبدو الثقة بين واشنطن وطهران في أدنى مستوياتها.
نقل المعركة إلى الاقتصاد
وفي الأسابيع الأخيرة، بدا-وفق مراقبين- أن الإدارة الأمريكية اختارت التركيز بصورة أكبر على الضغط الاقتصادي والمالي، بدلامن الانتقال الفوري إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وتحدثت تقارير عن حصار بحري للموانئ الإيرانية، وهو ما يضع الاقتصاد الإيراني أمام ضغوط متزايدة، خصوصاً في ظل اعتماد البلاد على صادرات الطاقة والتجارة البحرية.وكان ترامب قد أوضح في تصريحات سابقة أن الضغط الاقتصادي يمثل جزءا أساسيا من الإستراتيجية الأمريكية، مشيرا إلى التضخم المرتفع في إيران وتراجع قدرتها المالية.ويقول متابعون إن هذه الإستراتيجية تقوم على فكرة دفع القيادة الإيرانية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر ضعفا، عبر تضييق مصادر الدخل وتقليص قدرة طهران على تمويل أنشطتها الإقليمية.
لكن خبراء اقتصاديين يحذرون في المقابل من أن الضغط المفرط قد ينتج نتيجة عكسية، إذ يمكن أن يدفع إيران إلى التشدد بدلا من تقديم تنازلات، خصوصا وان القيادة الإيرانية ترى أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على الملف النووي وإنما يمتد إلى إضعاف النظام نفسه.
طريق مسدود؟
بحسب مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم مجلة "بوليتيكو"، فإن المفاوضات تواجه عقبة إضافية تتمثل في طبيعة عملية صنع القرار داخل إيران.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن واشنطن تدرك أنها تحتاج إلى موافقة جميع الأطراف حتى يكون أي اتفاق فعالا، في وقت لا تعرف فيه في كثير من الأحيان الموقف النهائي للجانب الإيراني، الذي يقول المسؤول إنه يواصل تغيير شروط التفاوض.
ويرى مراقبون أن هذه النقطة تحديدا قد تكون من أكثر العوامل تعقيدا في أي مفاوضات مقبلة، لأن الاتفاق بين الحكومات لا يكون قابلا للتنفيذ إذا لم يحظَ بتوافق داخل مؤسسات الدولة المعنية.في المقابل، ترى طهران أن واشنطن نفسها لم تقدم الضمانات الكافية لتنفيذ أي اتفاق، خصوصا في ظل تجربة الانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق النووي وعودة العقوبات.
"هرمز" الورقة الأخطر
ويبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة فالممر البحري يمثل شريانا رئيسيا لتجارة الطاقة العالمية، وكانت تمر عبره قبل اندلاع الحرب نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال.ولهذا فإن استمرار إغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة في هلا يمثل مشكلة إيرانية ـ أمريكية فقط، وإنما يحمل تداعيات مباشرة على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، تواصلت المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إعادة حركة الشحن التجاري عبر المضيق، في وقت صعّد فيه ترامب لهجته تجاه السلطنة، مهدداً بضربها إذا اعتبر أنها تعرقل التحركات الأمريكية.
وعندما سئل ترامب لاحقا عن موقفه من عُمان، قال إن" الولايات المتحدة تستطيع التعامل مع الأمر بسهولة"، في تصريحات تعكس حجم التوتر الذي يحيط بالجهود الدبلوماسية الإقليمية.من جانبها،أكدت الخارجية الإيرانية استمرار المحادثات مع عمان، موضحة أن طول المفاوضات يعود إلى تعقيد الملف وتعدد الأطراف المعنية.كما بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع نظيره الإيراني عباس عراقجي جهود إعادة فتح المضيق والحفاظ على وقف إطلاق النار.
ترامب يرفع سقف المطالب
في الوقت الذي تتحدث فيه أطراف إقليمية عن الوساطة والحوار،يواصل ترامب رفع سقف مطالبه تجاه إيران.وقال الرئيس الأمريكي إن بلاده منخرطة في المواجهة بهدف أساسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، رافضا فكرة تمديد الاتفاق المؤقت بصيغته الحالية.
وفي تصريحات أخرى، طالب ترامب إيران برفع "راية الاستسلام البيضاء"، في لهجة تعكس أن الإدارة الأمريكية لا ترى أن مجرد العودة إلى التفاوض كافية، وإنما تريد اتفاقاً يلبي شروطاً أمنية وسياسية أكثر صرامة.كما أكد ترامب أن الولايات المتحدة تحتفظ بكل الخيارات إذا واصلت إيران ما تصفه واشنطن بالإرهاب ورفضت التوصل إلى اتفاق.
ويرى خبراء أن هذه التصريحات تعكس إستراتيجية تقوم على إبقاء الخيار العسكري حاضرا في خلفية المفاوضات، حتى مع تفضيل واشنطن حاليا استخدام العقوبات والضغط الاقتصادي.لكن المشكلة تكمن في أن التهديد العسكري قد يصبح في حد ذاته عائقا أمام الدبلوماسية، إذ يصعب على أي قيادة إيرانية تقديم تنازلات واسعة تحت ضغط ما تعتبره تهديدا مباشرا لسيادتها.
إيران تلوّح بمهلة مقابلة
في المقابل، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول إيراني كبير أن طهران منحت الولايات المتحدة مهلة تمتد لأسابيع لتنفيذ بنود مذكرة التفاهم بالكامل.
ويعكس هذا الموقف محاولة إيرانية لقلب معادلة الضغط، بحيث لا تكون طهران وحدها مطالبة بتقديم التنازلات.ويرى متابعون أن إيران تريد التأكيد على أن أي اتفاق دائم يجب أن يقوم على مبدأ "التنفيذ المتبادل"، وليس على تقديم تنازلات إيرانية أولا ثم انتظار المقابل الأمريكي لاحقا.
كما تعتبر طهران أن الاعتماد على الوسطاء للتوصل إلى اتفاق دائم ليس كافيا، وأن أي تسوية حقيقية تحتاج إلى تفاهم مباشر وآليات واضحة لضمان تنفيذ الالتزامات.
تصعيد خطير
من جهة أخرى أعلنت "قوات المقاومة الوطنية" الموالية للحكومة اليمنية، امس الثلاثاء، أن الفحوص الفنية لحطام الصواريخ التي استهدفت ميناء المخا والساحل الغربي أظهرت أنها إيرانية من طراز"فاتح-110".جاء ذلك في بيان صادر عن متحدث "المقاومة الوطنية" صادق دويد، نشره على منصة شركة "إكس" الأمريكية، غداة إعلانها أن الحوثيين استهدفوا ميناء المخا بصاروخين باليستيين، وأنها ردت بقصف مواقع للجماعة.وقال دويد: "أثبتت الفحوصات الفنية لحطام الصواريخ التي استهدفت ميناء المخا والساحل الغربي، أنها صواريخ باليستية إيرانية من طراز فاتح-110، تعمل بالوقود الصلبوب مدى 300 كيلومتر".وأضاف أن هذه الصواريخ "تطلق من منصات متحركة أو شاحنات تجارية مموهة".
وجاء استهداف ميناء المخا، بعد ساعات من إعلان الجيش اليمني رصد إطلاق الحوثيين صاروخين باليستيين فرط صوتيين باتجاه مدينة المخا والبحر الأحمر.وسبق أن استهدف الحوثيون ميناء المخا أكثر من مرة، ما أسفر عن توقفه عن العمل بشكل كامل وخسائر مادية بنحو 16 مليون دولار، وفق تقارير حكومية.